اشتباك: صورة مصغرة وجيدة الصنع لواقع مصر البغيض
 
 

شأن فيلم صلاح أبو سيف الشهير “بين السما والأرض” (1959) الذي تجري أحداثه داخل مصعد معطل، وفيلم “إشارة مرور” (1996) السريالي لخيري بشارة، الذي تجري أحداثه أثناء توقف إشارة مرور، فالفيلم الروائي الطويل الثاني لمحمد دياب يجمع بين ممثلي فصائل متنوعة من المجتمع، محبوسين معًا بلا قدرة على الخروج.

ومثلما فعل الفيلمان السابقان، أثار “اشتباك” لديَّ، عندما حضرت افتتاحه في القاهرة الأسبوع الحالي، إحساسًا لا مفر منه برهاب الأماكن الضيقة. تجري أحداث الفيلم منذ البداية وحتى النهاية داخل عربة ترحيلات تابعة للشرطة، أثناء المظاهرات التي أعقبت الإطاحة بالرئيس محمد مرسي المنتمي للإخوان المسلمين سنة 2013، لينصب بذلك شَرَكًا لكل من ممثليه ومشاهديه يعكس بحدّة الوضع السياسي الراهن في مصر.

كان قد سبق عرض الفيلم في مايو كفيلم افتتاح لقسم Un Certain Regard المرموق بمهرجان كان السينمائي، فانهالت على “اشتباك” المقالات النقدية المحابية على المستوى الدولي. وفي حين حظي الفيلم بهذا الاستقبال الإيجابي في الخارج، لقي هجومًا شاملًا من مذيعة تليفزيون الدولة المصرية أماني الخياط، التي اتهمت مهرجان كان السينمائي ـ في تقرير ضمن برنامجها “أنا مصري” ـ بأن لديه دوافع سياسية وراء عرض “اشتباك”. كما عُرض تقرير مصور عن دياب نفسه أشار إلى دراسته السينما بالخارج وملمحًا إلى تلقيه أموالًا من قوى أجنبية لتشويه صورة مصر، مدللًا على ذلك بفيلمه الأول “678” (2010) الذي تناول التحرش الجنسي.

ذكر التقرير أن دياب يصور مصر سجنًا متنقلًا، وبلدًا يقمع الحريات، ويخوض حربًا أهلية. كما ادعى أن نهاية الفيلم تشي بأن السبيل الوحيد للخروج من الأزمة هو التصالح مع الإخوان، رغم أن الفيلم في حقيقة الأمر ينتهي بملاحظة غامضة.

أقامت جبهة الإبداع المصرية ـ وهي جماعة ضغط أسسها فنانون بعد ثورة 2011 ـ دعوى قضائية ضد البرنامج. ورغم ما ذهبت إليه تقارير بشأن منع وزارة الداخلية المصرية للفيلم ـ وهو ما أنكرته شركة “كلينيك” المنتجة ـ فقد عُرض “اشتباك” في دور العرض المصرية ابتداء من 27 يوليو.

وعلى الناحية اﻷخرى، ففي الأيام السابقة على إطلاق الفيلم في دور العرض، ورغم حماسهم له، استاء بعض السينمائيين والمجتمع اليساري من أسلوب الدعاية المصممة له. حيث قام المخرج بكتابة تدوينة على فيسبوك، مع صورة من رسالة من الممثل اﻷمريكي المشهور توم هانكس يبدي فيها إعجابه بالفيلم، كما كتب دياب عن الحملة التي أشعلها الإعلام المصري ضد الفيلم، طالبًا الدعم بشكل مباشر من الجمهور، عبر مشاهدة الفيلم في السينما في أول أيامه، وذلك بهدف منع دور السينما من إزالته.

ردًا على هذا، كتبت المخرجة الشابة عايدة الكاشف على حسابها على فيسبوك رسالة لدياب تقول فيها: “أنا باكتبلك عشان انت طلبت الدعم، و لإنك اتضايقت من ناس انت شايف انهم منك لما اتهاجمت. الدعم واجب، دا مافيهوش كلام، واجب مش عشان أهمية أو عدم أهمية الفيلم، مش عشان وحش أو حلو، لكن عشان احنا في منظومه خربانة، عشان السينما بالكامل في قبضة الدولة، من سوق تجاري لنقابات لرقابة. دعم الفيلم (لو بالفعل كان فيه محاولات جادة من الدولة لتعطيله، بغض النظر عن أماني الخياط) مش واجب سياسي و لا وطني بالضرورة، لكنه مهم في معركة نضال طويلة خاضها عمالقة سينمائيين كبار من قبلك وقبلي، ولسة فيه غيرهم، صغير وكبير، بيخوضوها في لحظتنا دي.”

إلي جانب إشكالية الدعم من المنطلق السياسي، فقد استاء الكثيرون من دعاية صفحة الفيلم، التي وضعت صورة المخرج خلف أسوار عربة الترحيلات. وبعد إزالة الصورة والاعتذار عنها، قام صناع الفيلم برفع تطبيق إلكتروني يعطي الفرصة للناس لوضع صورتها خلف أسوار العربة. ونظرًا لكون عربة الترحيلات من أسوأ تجارب الحبس، ولوفاة عدد كبير من المتظاهرين فيها، فقد رأى البعض أن هذا أسلوب غير لائق.

ولكن مع كل تحفظات الجمهور حول الدعاية للفيلم، حقق الفيلم مبيعات ضخمة في أول أيامه، ونال إعجاب الكثير من الجمهور.

يبدأ الفيلم داخل عربة ترحيلات شرطية خضراء داكنة خاوية، وفيما نرى ضوءًا يتنقل داخلها قادمًا من الشبابيك، يقدم لنا بيان مكتوب إحساسًا بالإطار الزمني للراوي. بعد ذلك نقضي قرابة 100 دقيقة أسرى عالم الشخصيات التي اعتقلتها الشرطة واحدة بعد الأخرى، لتصل إلى قرابة عشرين شخصًا في عربة مساحتها ثمانية أمتار مربعة. من بين هؤلاء ثوريون ومؤيدون للعسكر، وأعضاء في الإخوان، ومؤيدون للجهاديين، وصحفيان محليان يعملان في أسوشييتد بريس، ويحمل أحدهما جواز سفر أمريكيًا .

تلعب نيلي كريم دور ممرضة تتظاهر ضد الإخوان هي وزوجها وابنها، وعندما يتعرضان للاعتقال تقف أمام السيارة ملقية عليها الحجارة بهدف أن تعتقل هي الأخرى. تقدم كريم أداء مبهرًا كأمٍّ حامية وممرضة ينتهي بها الحال متفاعلة مع العديد من الناس ومعالجة إصاباتهم. كما تقدِّم الدعم للشخصية الأنثوية الوحيدة، عائشة (مي الغيطي)، وهي فتاة إسلامية اعتقلت هي وأبوها السلفي. يبث الممثل خالد كمال الحياة في شخصية بلطجي، مكتوبة هي الأخرى بشكل جيد، ولعلها شخصية الفيلم الأكثر إقناعًا وتعددًا في الطبقات.

تندلع الشجارات بين الفصائل التي يمثلها أولئك المعتقلون، مثلما تندلع أيضًا داخل كل فصيل. فجماعة مؤيدي العسكر ـ التي تتضمن أسرة من الطبقة الوسطى، واثنين من مطربي المهرجانات، وصاحب محل إصلاح موبايلات ـ تصف الصحفيين بالجواسيس. ويتفق بعض أعضاء الإخوان على قائد لهم يتعامل مع الموقف، متجاهلين غيرهم من المتظاهرين الإسلاميين، فيؤدي ذلك إلى توتر بينهم طوال الرحلة.

بينما تتحرك الشاحنة باتجاه المظاهرة الإسلامية، نرى عبر شبابيك العربة اشتباكات بين المتظاهرين والشرطة، خالقة حالة من التفاعل المذهل ـ المخطط ببراعة والمصوَّر في زمنه الواقعي ـ بين الهجمات الشرسة الفوضوية المقنعة والتوتر الكامن داخل العربة.

لا تترك الكاميرا العربة مطلقًا و لا نرى الخارج إلا عبر الشبابيك والأبواب ومرايا الرؤية الخلفية. حركة الكاميرا المحمولة يدويًا، والتي برع في استعمالها أحمد جابر (678 وأسماء) تضفي واقعية على الفيلم، خالقة إحساسًا بأننا بداخل شاحنة، نعيش الشجارات والشدائد والهجمات والغليان. وتأتي لحظة أخرى بارزة عندما تمر العربة بمتظاهرين يحملون أقلام ليزر، فتكون خطوطها الخضراء هي مصدر الإضاءة الوحيد في مشهد كان ليظلم تمامًا بدونها. وفي هذه الاستخدام الأقصى للإضاءة المحدودة، يحقق “اشتباك” انتصاره الحقيقي.

تلعب الموسيقى أيضًا دورًا مثيرًا. ففي المشاهد المتوترة التي تعلق خلالها العربة في اشتباكات وقنابل غاز، تتلاشى أصوات طلقات الرصاص في موسيقى إلكترونية. وفي مشهد آخر يضع مطرب المهرجانات الصاعد السماعة في أذنيه ليستمع إلى أغنية أوكا وأورتيجا “هاتي بوسة يا بت” فرارًا من الجنون المحيط به. وبينما نتحرك من لقطة مقربة لشاب (أحمد مالك) إلى لقطة أوسع للعربة من الداخل، تتحول موسيقى المهرجانات إلى نغمة أسيانة على العود.

صحفي أسوشييتد بريس الذي يصور قصص العربة بكاميرا خفية في ساعته (معربًا طول الوقت عن رغبته في إطلاق ما يصوره: “هايغيّر كل حاجة”) يلتقط لحظة هادئة، يصغي فيها الجميع لعضو في الإخوان المسلمين وهو يحكي تجربة أداء فيلم في الماضي. نفهم من هذه اللحظة أن كل هذه الشخصيات شاركت في ثورة 2011. تقول إحدى الشخصيات “كانت أحلى أيام”. ويسود صمت.

الأمر الباعث على الأمل هو أن الفيلم يركز على ما بين الجميع من تشابهات في هذه التجربة. الجميع يشعرون بالحرارة، فيتناوبون الوقوف بجوار الشباك. يتقاسمون زجاجة الماء التي أعطيت لهم. يتيحون لكل واحد الخصوصية ليتبول في زجاجة خاوية. ويتناقشون في فرق كرة القدم التي يشجعونها؛ الأهلي أو الزمالك.

يفرِّق “اشتباك” أيضًا بوضوح بين أعضاء الأمن المركزي الذين يخدمون في هذا الجهاز ضمن الخدمة العسكرية الإلزامية، وبين ضباط الشرطة ذوي الرتب الكبيرة. يركِّز على الجانب الإنساني من المجندين، بينما يصور الضباط في صورة القساة.

رغم الثقل، فهناك لحظات عديدة أثارت ضحك الجمهور. بصفة عامة، قسيناريو دياب وأخيه خالد دياب (وقد كتب كلاهما من قبل فيلم “الجزيرة” المدوي) منضبط الإيقاع، واقعي الحوارات والشخصيات ـ ولا أقصد بهذا إنه يخلو من بعض الكليشيهات والمشاهد الزائدة هنا وهناك.

“اشتباك” إجمالًا فيلم مؤثر ومريع. يقتنص من تاريخ مصر هذه اللحظة المحورية التي أصبح المجتمع فيها عميق الانقسام ويسهل التلاعب به، وهو في الوقت نفسه تجربة سينمائية بالغة التأثير في ذاته.

فيلم “اشتباك”يعرض في سينما سيتي ستارز بمدينة نصر، أمريكانا بلازا في الشيخ زايد، ونايل سيتي على كورنيش النيل.

اعلان
 
 
روان الشيمي