اشتباك – اللي موجود!

شاهدت أخيرا فيلم اشتباك للمخرج والمؤلف محمد دياب. كنت قد سمعت عن الفيلم لأول مرة من محمد دياب نفسه في مقابلة بالصدفة في أحد كافيهات الزمالك جمعتني به وبالمخرج عمرو سلامة وأصدقاء آخرين. كان يبدو أن دعوى هذا التجمّع هي تدارس رد الفعل الغاضب وقتها تجاه فيلم “الجزيرة 2” الذي كتب له السيناريو محمد دياب وخالد دياب وأخرجه شريف عرفة وعُرض في عام 2014. أثار الفيلم وقتها الكثير من الغضب لدى الشباب الذين رأوا في قصته دفاعا صادما من المؤلف الشاب الذي اشتهر بدعمه لثورة 25 يناير عن رجال الشرطة واتهاما مباشرا للثورة بالتسبب في الفوضى التي أطلقت العنان لهيستيريا الإسلام السياسي والبلطجة والجريمة.

رغم ضغوط الموجودين الذين اتحدوا على إدانة الفيلم بكل وضوح، تحدث دياب وقتها وقال كلاماً مهماً عن علاقته المعقدة بهذا الفيلم بالذات وبصناعة السينما في مصر عموماً. قال إن من المهم أن يكون لأصوات مثل أصواتنا مكان في السينما التجارية ودور في فنون مؤثرة تتواصل مع قطاعات عريضة من الجمهور، كلام اتفقت معه نظرياً إلا أن تجربة الجزيرة 2 كانت مثالاً على أن النوايا الطيبة وحدها لا تصنع فناً جميلاً، ولا حتى سياسة مؤثرة. فموهبة محمد دياب ككاتب سيناريو محترف أفادت فيلم الجزيرة 2 وأنجحته تجارياً، بل ومنحته كفيلم حركة شعبي بسيط قدراً من الإنسانية التي ميزته عن الأفلام المشابهة؛ إلا أن شريف عرفة، المخرج الذي قضى الـ٣٠ عاماً السابقة من عمره في صناعة السينما وكان عنصراً رئيسياً في إنجاح العديد من الأعمال السنيمائية شديدة الحساسية التي قدمت صورة سياسية مثيرة للجدل لمصر، متمتعاً بقرب غير تقليدي من أجهزة الدولة ودعم معنوي وتسويقي بل ولوجيستي أحياناً، كان هو صاحب الكلمة النهائية فيما يتعلّق بماذا يريد هذا الفيلم أن يقول؟ ولماذا صُنع هذا الفيلم في هذا التوقيت؟ قال دياب في هذه الجلسة بحماس إنه يعمل الآن على “فيلمه” الذي سيقول فيه وجهة نظره هو بدون تدخل أو تشتيت والذي سيساهم- بإذن الله- في توضيح موقفه الحقيقي من الثورة للجمهور الذي يتهمه الآن ببيع القضية.

بدأت بعد ذلك أخبار تتواتر من داخل الصناعة عن فيلم محمد دياب قبل الانتهاء من تصويره، الفيلم مصوّر بالكامل في سيارة ترحيلات ويحكي قصة مجموعة من المواطنين المحبوسين في السيارة؛ تحدٍ سنيمائي مثير ورمزية فنية قوية- رغم كلاسيكيتها- تضع الفيلم في خانة “ثورية” بوضوح. تساءلت وقتها عن مدى استعداد الرقابة وأبواق الدولة الإعلامية السعرانة لقبول فيلم مثل ذلك وانتظرت انتهاء التصوير بحماس وشعرت أن قصة مثيرة للاهتمام سترتبط بهذا الفيلم.

افتتح الفيلم مسابقة (نظرة ما) في مهرجان كان السنيمائي وأثار ردود أفعال إيجابية كثيرة من رموز سنيمائية عالمية مرموقة. لا أُنكر أن الاحتفاء العالمي بالفيلم قبل عرضه في مصر أثار لدى بعض السعادة، فالعلاقة بين الكثير من الفنانين المصريين والعالمية علاقة إشكالية للغاية. يتحدث الفنانون في بلد مثل مصر طوال الوقت عن “عُقدة الخواجة” بتعالِ، ويدرك أغلبهم التوازنات السياسية والدولية التي تؤثر على أحداث ثقافية عالمية والتي بناء عليها يتم الاحتفاء بأعمال (ما) في توقيتات (ما) لأسباب (ما). يعاني الكثيرون أيضاً من علاقة استشراقية سياحية ما بين “العالم الخارجي” وأعمالهم التي لا يرى الغرب فيها سوى أماكن غرائبية وشعوبا عجيبة مسلية تركب الجمال وتلطم وجوهها عندما تحزن، وغالباً هي تحزن فقط. وبالرغم من كل ذلك فإن الاعتراف العالمي بجودة عمل فني مصري أُنتج في ظروف مثل تلك التي تُنتج فيها الأفلام في مصر يسهم في منح الفنان المصري صوتا (ما)، وهذا الصوت قادر في وقت من الأوقات على منح الفنان “العالمي” الفرصة على تحدي تلك الصورة التي يريده الغرب عليها أو إلهام فنانين آخرين لتحدي هذه الصورة، أو ربما هذا ما يلهم الفنان “العالمي” نفسه به آملاً ألا يموت قبل أن ينجح في تحقيقه.

بعد بشائر هذا الاحتفاء العالمي بدأ الهجوم من تليفزيون الدولة في مصر وأحبابه على الفيلم واتهامه بتشويه ٣٠ يوليو التي أنقذت مصر من الفناء وأحيتها من بعد موتها إلخ. الفضاء العام في مصر الآن مُتحكم به بالكامل من قبل أجهزة الدولة، والسردية الوحيدة المقبولة هي ما يراه الجيش فقط. وهناك مليون سردية، وكل من شهد التاريخ لابد أن يكون لديه الحق في رؤيته كما يريد، إلا أن سردية فيلم اشتباك أثارت غضب مدام أماني الخياط وبالتالي تم تصنيف الفيلم إعلامياً كفيلم “معادٍ” للدولة. مجدداً توقعت ألا يُسمح بعرض الفيلم في مصر، رغم الحرج الذي سيتسبب فيه إجراء كهذا للنظام بمنعه لعرض فيلم احتفى به العالم بهذا القدر، إلا أن هذا ليس بالنظام السياسي الذي يتحكم الحياء كثيراً في تصرفاته. كان هجوم التليفزيون الرسمي على الفيلم- كالعادة- بمثابة الضوء الأخضر للكثير من الشباب للالتفاف حول الفيلم وتدعيمه، فكما قال أشرف عبد الباقي في فيلم شريف عرفة (الإرهاب والكباب): أي حاجة تنكد ع الباشا سيادة اللوا أنا فيها!

قبيل عرض الفيلم رسمياً في مصر بأيام بدأ محمد دياب الحديث عن مؤامرة ما تُحاك ضد الفيلم ورغبة في إفشاله، الشركة الموزعة انسحبت بشكل مفاجئ، يبدو أن هناك خطة لخنق الفيلم بدلاً من منعه. ناشد محمد دياب- بحماس ملتهب- جمهوره الكبير على الإنترنت الوقوف وراء الفيلم وإنجاحه وتحدث لاحقاً عن تهديدات للمخرج طارق صالح بسبب فيلمه الذي يهاجم الداخلية، وتدريجياً تحوّلت علاقة الجمهور بالفيلم من تجربة فنية يقيمها الجمهور بالنظر إلى ما توفره له من إمتاع فني إلى تجربة سياسية يعبر فيها الجمهور عن انحيازاته السياسية من خلال دفعه المال لمنتج الفيلم! واختلطت الأمور.

بدا واضحاً أن محمد دياب أراد أن يستغل السوشيال ميديا، كمساحة تحتوي ملايين الشباب الغاضبين المطرودين من فضاء مصر الرسمي ليكونوا نواة لكتلة بشرية ضخمة تتواصل مع الفيلم. حلم أي مخرج هو أن يشاهد فيلمه أكبر عدد ممكن من المشاهدين، والكثير من المخرجين يستفيدون من نجاح أفلامهم تجارياً، يمنحهم هذا قوة في التفاوض مع المنتجين ومساحة أكبر للتعبير عن أنفسهم بحرية من خلال أفلامهم. لا ضرر في السعي وراء النجاح التجاري ولكن الإشكالية مع “اشتباك” كانت في حساسية موضوعه التي صنعت تناقضات عدة بين ما يقوله الفيلم عن نفسه وما يتوقع الفيلم من المشاهد أن يقوله عنه.

المبالغة في تسويق الفيلم كـ”فيلم ثوري” أثارت حفيظة الكثير من الأصوات التي سأمت التسطيح والشعبوية المفرطة التي عانى منها الخطاب الثوري منذ تنحي مبارك وحتى ٣٠ يونيو، وربما ذكّرت الكثيرين بالفشل الذي عانته الثورة في التواصل مع الجماهير بأي طريقة عقلانية وغير عاطفية في مرحلة “ما بعد الفعل الثوري”. سخر المتابعون من التعامل مع الفيلم كمظاهرة أو مسيرة وبدأ الجدال حول مفارقة أن يكون الفيلم “الثوري” من إنتاج الداعية الوسطى المحافظ معز مسعود، وبالتالي وُضعت شخصية محمد دياب ذاته ومدى صلابة علاقته بالثورة كفكرة تقدمية متحررة تحت المجهر. كانت هناك فرصة لمناقشة هامة جداً- في رأيي- حول المعاني المختلفة والتفسيرات المتباينة لكلمة “ثورة” و”ثورجي” التي تفرق دمها بين قبائل تصف بها نفسها عندما يتطلب الأمر وأعداءها عندما يكون هذا في صالحهم، وهي علاقة يبدو أن فيلم اشتباك كان مهموماً بها، وسط الكثير من الهموم الأخرى التي تاهت وسط ضوضاء الاشتباك.

مشاهدة الفيلم أخيراً، بعد كل هذا الصداع، كانت تجربة مُحبطة للغاية. فبالرغم من العديد من الاختيارات التي قام بها محمد دياب وصناع الفيلم ليقدموا فيلماً جيداً قدر الإمكان خرج الفيلم في النهاية مترنحاً مرتبكاً متلعثماً فيما يريد أن يقوله.

حصر الفيلم نفسه طوعاً لتدور أحداثه بالكامل داخل عربة الترحيلات، وبالتالي أصبح كل ما تراه الكاميرا هو عربة الترحيلات من الداخل + ما يمكن للمحبوس داخل العربة أن يراه من شبابيكها وبابها المفتوح أحياناً. حركة الكاميرا أقرب ما تكون طوال الوقت لحركة العين، الزوايا والارتفاعات التي تُوضع الكاميرا فيها مقيدة بالقدرات البشرية، التكوينات لا تطغى إلا فيما ندر على منطقية الحدث مما يؤدي لوجود عوائق عديدة ومساحات كثيرة من الظلام بين الكاميرا والحدث، تتأثر الكاميرا باهتزاز العربة وحركتها كما يتأثر الأشخاص، كلها عوامل تقوي من إحساس المشاهد بالتوحد مع الفيلم والاشتراك فيما يحدث؛ غرض يظن الكثير من السينمائيين أن تنفيذه صعب بينما يتعمد سينمائيون آخرون أن يتجنبوه لأسباب تتعلق بطبيعة أفلامهم ونوعية المشاعر التي يريدون للمشاهد الانخراط فيها.

ينقل الإحساس الدائم بالاختناق والخطر للمشاهد حالة من التوتر يكسرها الفيلم من حين لآخر بلحظات من الهدوء أو الكوميديا بينما تتطور الأحداث وفقاً لإيقاعٍ غير منتظم. قطعات الفيلم الحادة ما بين زوايا متنافرة غير مريحة تزيد من الإحساس بالاضطراب. هذا الإحساس الدائم بالتوتر- والذي تستثمر فيه الكثير من أفلام الحركة التجارية- يضمن للمشاهد مستوى شبه مستقر من الانشغال الحسّي بالفيلم، لهذا تدير رأسك ناحية شاشة التلفاز في محل البقال عند سماع صوت انفجار أو ضوضاء مصاحبة لمشهد مطاردة. قد تكون غير مهتم إلى هذا الحد بالسياق العاطفي للأحداث لكن انشغالك الحسي بالمحفزات التي يوفرها لك الفيلم هو غاية الكثير من صُنّاع السينما خاصة التجارية.

الإشكالية الجمالية في هذا التوتر هي أن موضوع الفيلم هو قضية سياسية شديدة الحساسية، السنوات الخمس الماضية في تاريخ مصر هي فترة رآها كل شخص من زاوية غير زاوية الآخر واشتعلت حولها خلافات شديدة الحدة، لدى الكثير من المصريين بشأنها آراء غاية في العمق والصلابة، آراء تصل في تشددها لقدسية العقيدة عند البعض، وترتبط عند البعض الآخر بفواجع ومآسي وندوب لن تختفي من ذاكرتهم للأبد. لذا يصبح مزج وجهة نظر المخرج السياسية الشخصية- المحتمل جداً أن يختلف حولها الكثيرون- بهذا التوتر التجاري أمراً في غاية الخطورة، فالمشاهد الذي ستغضبه طريقة تصوير الإخوان أو الشرطة أو أي تفصيلة تاريخية أخرى في القصة سيضطر للتعبير عن هذا الغضب بنفس التوتر الذي وضعه الفيلم فيه سعياً وراء إمتاعه حسياً، وهذا ما كان واضحاً في طريقة تعبير من لم يعجبهم الفيلم عن رأيهم فيه على الإنترنت.

يتحدث الفيلم عن فترة من تاريخ مصر شهدت الكثير من العنف، ويبدو أن صناعه رأوا في هذا العنف احتمالية لطبخة سينمائية ناجحة، وبذلوا مجهوداً كبيراً في تقديم هذه الطبخة بطريقة جديدة متشابكة مع لغة سينمائية حديثة نسبياً. استثمر الفيلم في جماليات تعتبر موضة اليومين دول السينمائية، فاستخدم مصادر إضاءة ملونة متنافرة وغير تقليدية وحركات كاميرا خفيفة متحررة تشبه مقاطع اليوتيوب التي ارتبطت في ذهن الملايين بأحداث سياسية مؤثرة. إلا أن المتعة المخدرة للعقل التي يشعر بها المرء عند مشاهدة أفلام لا شيء بها سوى أصوات وحركات مسلية ظلت تتصادم بحدة مع اللحظات التي أراد فيها الفيلم أن (يتكلم بجد)، فأصبحت مشاهد المواجهات الحوارية بين الشخصيات التي رمز كل منها- بمباشرة شديدة أحياناً- لتيار أو ستيريو تايب من المجتمع المصري مغرقة في الخطابة والتسطيح، ربما لضيق الوقت المتاح للحوار على حساب الخبط والرزع والشقلبة التي رغم محاولتها الخروج من فخ الابتذال والنمطية أضاعت على نفسها حتى فرصة استكشاف حالة الاشتباك من منظور “أكشن بحت” وخلقت في النهاية مشاهد مكررة لأشخاص يلقون بالحجارة ببلادة على العربة، خالقين ضوضاء مكررة يستجيب لها الممثلون بنفس الصراخ المتكرر.

التصادم ما بين جرعة الإمتاع في الفيلم وبين قضيته السياسية كان غير مريح على المستوى الفني كما أثار في داخلي أيضاً توجساً من إشكالية أخلاقية في صنع “فُرجة” مسلية تتناول بشكل سينمائي أحداثاً أليمة مثل تلك التي مرت بها مصر في الفترة الأخيرة، تذكرت ڤيديو كليب أغنية No church in the wild للمطرب الأمريكي Kanye West والذي ظهر بعد اندلاع الربيع العربي بشهور قليلة، وعندما شاهدته مع صديق أمريكي قال لي: “أشعر بعدم الراحة بينما أشاهد هذه اللقطات لأنني بعد ما رأيته في مصر أدرك أن الحقيقة ليست بهذه الروشنة للأسف، وأعلم أن الكثير من الأمريكيين لا يدركون ذلك”. ربما كان في الشخصية التي يلعبها هاني عادل في الفيلم تلميحا لهموم من هذا النوع عند محمد دياب نفسه ومدى انشغاله بأخلاقية عمله الذي يستفيد رغماً عنه من آلام الآخرين.

خرج هذا الفيلم للحياة، كفكرة أولاً في عقل صنّاعه، ثم كفيلم يُعرض في السينمات، بينما عقل المجتمع المصري مسيطر عليه تماماً بآلة إعلامية متوحشة تنفذ توجيهات سياسية عسكرية ترى الإخوان المسلمين والديموقراطية التي أوصلتهم للحكم كخطرٍ داهم يهدد استقرار الدولة المصرية وبقاءها بالشكل المتناسب مع قناعات چنرالات الجيش. الكثير من الشباب والمثقفين يختلفون مع هذه الرؤية ويعتقدون أن هذا الاستثمار في الكراهية يضر العقل المصري بشدة على المدى البعيد. محمد دياب واحد من هؤلاء، ويبدو واضحاً من فيلمه أنه أراد أن يخالف هذا التيار السائد ويبني فلسفة فيلمه بالكامل على أننا “كلنا إنسان”، وأجبر نفسه على البحث في أعماق كل شخصية عن إنسانية هذه الشخصية ومحاولة تغيير وجهة نظر المشاهد السطحية المحتملة في الآخر. هذا الطرح رغم حسن نيته اصطدم بأكثر من عقبة أفقدته قدرته على الإقناع وجعلت هذه الفكرة تبدو مبسطة زيادة عن اللازم عندما توضع في سياق معقد كالسياسة المصرية.

حدث هذا غالباً لأن دياب اختزل (الإنسانية) في القدرة البشرية على التعاطف والإحساس بالمسئولية تجاه الآخر، وهي المشاعر التي نمت لدى السجناء بالتدريج فتحولوا من أعداء يكادون يمزقون بعضهم بعضاً في بداية الفيلم بسبب اختلافاتهم الأيدولوچية إلى شركاء في الحبس والكرب يحاولون مساعدة بعضهم البعض على الخروج من الأزمة التي جمعتهم مثلما يحدث في بناء أي فيلم كوارث تقليدي. المشكلة أن العنصر الوحيد الذي لم يشترك مع الجميع في الحبس كان العنصر الفاعل والمحرك لمصائر الأبطال طيلة الجزء الأكبر من الوقت: قيادات الشرطة، السبب الرئيسي في وجود كل هؤلاء الأشخاص في هذه المشكلة في المقام الأول. ومع ذلك حاول الفيلم الالتزام بأنسنة هؤلاء أيضاً للتأكيد على رسالته مما أصبح كمحاولة أنسنة الزلزال مثلاً أو أسماك القرش في المرجعية الهوليوودية!

بالمناسبة هناك فارق كبير بين قيادات الشرطة وعساكر الأمن المركزي، فالعساكر- مثلهم مثل المساجين- كانوا مسلوبي الإرادة محكومين بتنفيذ الأوامر طوال الوقت، لذا فإن إشراكهم في الحبس لم يتمكن من إذابة الفارق بين الداخلية كجهاز محمي من الدولة والقانون وبين من يتم البطش بهم من المواطنين، بل خلق فقط ارتباكا وجدلا حول موقف الفيلم المتردد من السلطة، ارتباك ظل في ازدياد مع كل مشهد يُظهر فيه رجال الشرطة (إنسانيتهم) وكأنهم مثل كل من في الفيلم ضحايا للموقف. للأسف لا، رجال الشرطة هم الموقف، والدولة هي الموقف. الدولة هي الزلزال وهي أسماك القرش وتجنّب محمد دياب توجيه هذا الاتهام للدولة سواءً كانت دوافعه فنية أو سياسية أو ليضمن ألا يُمنع الفيلم جانبه التوفيق فنياً وسياسياً، وتناقض مع نفسه بعد ذلك عندما سوّق دياب الفيلم كفيلم ثوري.

بأمانة، أنا مهتم جداً برسم صورة أكثر عمقاً لشخصية ضابط الشرطة، وأرى الاختيارين المتوفرين في أغلبية الأفلام المصرية شديدي المحدودية. فالضابط ليس إما أحمد السقا ملاكاً أو عباس أبو الحسن شيطاناً، وهناك أيضاً أمثلة لأفلام مصرية تناولت هذه الإشكالية بنضج مثل فيلم “الهروب” لعاطف الطيب مثلاً أو “زوجة رجل مهم” لمحمد خان، إلا أن هذه أفلام اختارت شرها وخيرها بوضوح وربطتهما بمشكلات هذا البلد بدقة. أرى إشكالية كبيرة بصراحة في محاولة أنسنة صراع بين مجموعة من المواطنين المحبوسين في سيارة ترحيلات ضد إرادتهم دون أن يكون لدى صانع الفيلم موقف واضح من الشخص الذي وضع هؤلاء كلهم أصلاً في العربة.

إنسانية رجل الشرطة في رأيي لا تنعكس فقط وبالضرورة في تلك اللحظات التي يشفق فيها على ضحاياه، وليست فقط في تضحياته البطولية من أجل حماية بلد لا يعرف أصلاً من يعادي ومن يحمي. إنسانية رجل الشرطة قد تنعكس في خوفه، أو ارتباكه، أو عدم يقينه، أو الأسباب التي تدفعه للاختباء وراء ما توفره له البدلة الرسمية من حماية، وبالتالي كل ما يسببه لمن حوله من ألم. لا يجب أن يتعاطف الُمشاهد فقط مع الأشخاص عندما يُظلمون أو يؤلمون بينما يفعلون “الصواب”، من الممكن أن نتعاطف مع الشخصيات بينما هم يخطئون، ربما سيعلّمنا هذا ان نقبل الخطأ كطبيعة إنسانية، وأن حكمنا على الآخرين لا يجب أن يكون مقروناً فقط بكون ما يفعلونه “صوابا” أم “خطأ”.

رسالة محمد دياب من هذا الفيلم، والتي ساعده خالد دياب في توصيلها، هي رسالة أُقدّرها إنسانياً، وأنا سعيد أنه استطاع أن يخرج بهذا الفيلم للحياة رغم كل الصعوبات. والصورة التي خرج بها الفيلم في النهاية، رغم كونها محبطة لي فنياً، إلا أنها تعكس في رأيي المساحة المتاحة للفنانين المصريين للتعبير عن أنفسهم. هي صورة متأثرة بتاريخ مضطرب من التعاطي مع الفن في مصر، ووضع سياسي مرتبك، وجدل اجتماعي حول قيم لا يجب أن يتناقش فيها البشر في عام ٢٠١٦. وما دار حول الفيلم من جدل وصراخ يبدو- بشكل مضحك- كامتداد لأحداث الفيلم ذاتها، بنفس الغضب والعمى والهيستريا التي فشل الفيلم في أن يجد شيئاً ليقوله بشأنها.

أعتقد أن مشكلتي مع هذا الفيلم ببساطة أنه فيلم ثوري رجعي كشري فيه كل شئ! مثلما كانت ثورة ٢٥ يناير ثورة تقدمية إسلامية انقلابية. فيلم خرج في مجتمع تقود المعارضة فيه جماعات تعادي المستقبل والتقدم، وتقمعه سلطة علمانية تحبس المفطرين في رمضان، ويتصارع مثقفوه بلغة الدهماء والعامة، ويدخل جمهوره السينما للتضامن مع فيلم ثوري يتعاطف مع تضحيات الشرطة!

من الاخر.. اللي موجود!

اعلان