النائبة هبة هجرس في حوار مع “مدى مصر”: فلسفة جديدة وراء قانون ذوي الإعاقة
 
 

في هدوء تام، وعلى عكس الكثير من القوانين الهامة التي أصدرها مجلس النواب في دور انعقاده الأول، انتهت لجنة التضامن الاجتماعي بالمجلس، مطلع سبتمبر، من مناقشةمشروع قانون يخص 12 مليون مصري من ذوي الإعاقة. كان من المفترض أن يعرض مشروع القانون، الذي أعده المجلس القومي لشؤون الإعاقة، وبدأت اللجنة مناقشته في 17 يوليو الماضي، على الجلسة العامة لمناقشته تمهيدًا لإقراره، وهو ما لم يحدث، ليؤجل إلى دور الانعقاد الثاني المنتظر انعقاده مطلع أكتوبر المقبل.

أجرى “مدى مصر” الحوار التالي مع الدكتورة هبة هجرس، عضو اللجنة والأمين العام السابق للمجلس القومي لشؤون الإعاقة، حول مشروع القانون الجديد، وما يميزه عن القوانين الموجودة بالفعل، وأثره على حياة الأشخاص  ذوي الإعاقة، بالإضافة إلى سبل التعامل مع التمييز ضدهم في مؤسسات الدولة والمجتمع عمومًا.

* لماذا قانون جديد لذوي الإعاقة؟

القانون الحالي “39 لسنة 1975” وتعديلاته سنة 1981 “تأهيل المعوقين”، لا يعالج سوى مسألة واحدة وهي “التأهيل والتشغيل” في منشآت العمل الحكومية والخاصة ولا يهتم بأي جوانب أخرى، لدرجة أن الكثيرين أطلقوا عليه قانون الـ “5%”، وهو أمر غير منفذ بشكل فاعل.

أما القانون الجديد فهو شامل لكل قضايا الأشخاص ذوي الإعاقة، ويغطي كل احتياجاتهم الحياتية. أهم شيء هي فلسفة بناء هذا القانون، وهي فلسفة حقوقية وليست رعائية، فالقوانين السابقة لتصديق مصر على اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة عام 2008 هي قوانين رعائية. فكرة الرعاية تعتمد على أن الحكومة تعطي حقوق، ولكن مدى هذه الحقوق غير مقنن. حينما ننص على شيء ما على أنه حق، فهناك إذن معيار واحد. أما هذا القانون فيحمل معيارًا حقوقيًا وآخر للمواطنة، فكلنا في الوطن سواسية، سواء كان شخص من ذوي الإعاقة أو بدون إعاقة، فنحن الآن في عصر يجب أن يستوعب فيه المجتمع جميع فئاته باختلاف إمكاناتهم واحتياجاتهم، كفاءة الدولة تظهر في قدرتها على أن تظل فئات المجتمع كلها تحت مظلة واحدة.

* كيف انعكست الفلسفة الجديدة في مشروع القانون؟

القانون يشمل تعريفًا جديدًا للأشخاص ذوي الإعاقة مطابق للاتفاقية الدولية، وهو يضم أبوابًا عن التعليم، والصحة، والتوظيف، وضمان التيسيرات والإتاحة. فنحن حتى الآن لا نعرف كيف يمكننا السير على رصيف والنزول منه والطلوع إليه. كما أن هناك باب للنقل والمواصلات، والترفيه والرياضة. فنحن لنا نفس احتياجات الأشخاص الذين ليس لديهم إعاقة، ولكن هذا الاحتياج تتم تلبيته بطريقة مختلفة، لذلك يأتي القانون ليعرف هذه الاحتياجات وكيفية تلبيتها. كلنا نريد التعلم في مدرسة واحدة، وبالتالي فالطالب الكفيف يحتاج إلى كتب “برايل” أو كتب صوتية ليمكنه التعلم مثل الطلاب الآخرين.

* لكن، خلال مناقشات اللجنة ثار خلاف حول بعض المصطلحات والمسميات مثل إضافة “الأقزام” في اسم القانون من عدمه، لماذا؟

هذا التدقيق معتاد في أي مشروع قانون تتم صياغته وبالذات مدى تغطية كل مصطلح للحقوق التي نود ضمانها، ولابد من التوافق حول هذه التفاصيل لضمان تطبيق هذه الحقوق. حينما ذُكر الأقزام بشكل منفصل عن ذوي الإعاقة في الدستور (من خلال ذكر ذوي الإعاقة والأقزام) كان بهدف التذكرة بهم كفئة من فئات ذوي الإعاقة، وكان هناك تفسيرين للفصل اللغوي بينهما، التفسير الأول يرى أن الجمع بين ذوي الإعاقة والأقزام بواو العطف قد يعبر عن فئتين مختلفين، والتفسير الثاني اعتبر الواو هي واو الفرز، والتي تعني التذكير بفئة الأقزام كجزء من الأشخاص ذوي الإعاقة للفت الانتباه، وهو التفسير الذي اعتمدنا عليه أثناء صياغة مشروع القانون، لأن الأقزام في الحقيقة فئة من فئات الإعاقة وليسوا فئة إعاقة مستقلة، لأننا نتبع التقييم العالمي في هذا الشأن. وبالتالي ذكرنا الأقزام للتذكير أننا لم ننساهم. كما أن التفسيرات الخاصة باحتياجات كل فئة من فئات الإعاقة سيتم تفصيلها في اللائحة التنفيذية للقانون بعد الموافقة عليه. ولكن اسم القانون لن يشتمل على الأقزام كفئة منفصلة لأن التقزم فئة من فئات الإعاقة وأحد مسبباتها، فلو تم وضع الأقزام بشكل استثنائي في مسمى القانون سيؤدي ذلك لكارثة، لأن أصحاب الإعاقات الأخرى سيطالبون بالمساواة. لذلك تم تسمية القانون بـ “الأشخاص ذوي الإعاقة”، ونصت الأحكام العامة على وجود الأقزام كفئة من فئات الإعاقة تماشيا مع نص الدستور.

_dsc0749

* كيف يعالج مشروع القانون ما يواجهه ذوو الإعاقة من تمييز في منظومة التعليم؟

يبدأ التمييز ضد ذوي الإعاقة في التعليم من المدرسة. في الوضع المثالي، حينما نكون داخل سور المدرسة، يقيّم المتخصصون احتياجات كل مجموعة من الأطفال على حدة. الطلاب بطيئو التعلم، أو هؤلاء الذين يعانون من صعوبات في التعلم، أو ذوي الإعاقة باختلافاتهم، لهم جميعًا حق التعلم داخل نفس المدرسة. لا يمكن أن أفرز من باب المدرسة من الذي يستطيع دخولها ومن لا يستطيع، وأقرر أن ذوي الإعاقة لهم مدارس خاصة منفصلة. ولا يمكن تبريرهذا الفرز بحجة أننا لا نملك الموارد التي نحتاجها لتقييم الاحتياجات المختلفة للطلاب ولا نملك تكلفة دمج ذوي الإعاقة في المدارس العادية. لا يمكن أيضًا أن نطلب من ذوي الإعاقة أن يدخلوا الأقسام الأدبية فقط لأن مدرسي الهندسة الفراغية، على سبيل المثال، غير قادرين على شرح المناهج للمكفوفين.

90% من الإعاقات قابلة للدمج، في العالم كله يُدمج الطالب صاحب الإعاقة البصرية البسيطة، وحتى الكفيف، بشكل كامل، وأيضًا باقي الإعاقات، فيما عدا الإعاقات الجسدية الشديدة والإعاقات الذهنية الشديدة، هؤلاء هم من يحتاجون تربية خاصة على حسب الإعاقة وشدتها. وبالتالي يجب تغطية حق ذوي الإعاقة كاملًا في التعلم، 10% تربية خاصة و90% في مدارس مدمجة. وفي المدارس المدمجة لا بد أن تتوافر غرفة مصادر بها وسائل تعليمية تناسب احتياجات كل الطلاب.

وعلى عكس ما يعتقد الكثير من أولياء الأمور من أن إدماج ذوي الإعاقة بالمدارس سيعطل الدراسة وسيؤثر على تحصيل باقي الطلاب، إلا أنه في الحقيقة يرفع من مهارات التحصيل العلمي لهم. بالإضافة إلى ذلك، هذا هو المكان الطبيعي للطالب ذوي الإعاقة، وأولياء الأمور ليس من حقهم اشتراط منع ذوي الإعاقة من الدراسة مع أبنائهم، وإن كانوا يريدون ذلك فليذهبوا لأماكن أخرى إذن، لكن المدرسة هي المكان الطبيعي للطلاب من ذوي الإعاقة.

الهدف من مشروع القانون أن تطمئن الأم “الغلبانة” التي تعيش في أفقر قرية وأبعد نجع، وتدرك أن ابنها سيتم دمجه مع إخوته في نفس المدرسة الوحيدة في القرية، وأنها لن تحتاج لأن تحمله عشرة كيلومترات لأقرب مدرسة تربية خاصة، لا بد أن تجد هذه الأم تيسيرات وليس معوقات.

* ماذا عن التعليم الجامعي؟

من حق الطالب ذي الإعاقة دخول أية كلية، طالما حصل على مجموعها في الثانوية العامة وطالما اجتاز اختبار القدرات الخاص بها مثل الأشخاص الآخرين، لكن ليس من حق الدكتور أشرف حاتم [رئيس المجلس الأعلى للجامعات] أن يشترط تكوين لجنة من ثلاثة أطباء للموافقة على دخول الطلاب ذوي الإعاقة للكليات العملية، الأطباء يقيّمون فقط الأمراض التي سببت الإعاقة، لكنهم ليسوا خبراء في دمج ذوي الإعاقة أو تقييم قدراتهم على التعلم. لذلك اتهمت الدكتور حاتم بمخالفة الدستور ووضع معوقات جديدة تضطهد ذوي الإعاقة.

هبة هجرس

* وماذا عن التمييز المجتمعي ضد ذوي الإعاقة؟

تنص الاتفاقية الدولية على حق الأشخاص ذوي الإعاقة في الزواج والحياة الأسرية، إلا أنه في بعض الحالات حينما يرغب بعض ذوي الإعاقة في الزواج يجدون معارضة من الأهل من الزواج بسبب إعاقتهم. الرجال لا يجدوا مشكلة كبيرة في الزواج “فالراجل ما زال عيبه جيبه، طالما معاه صنعة وفلوس ويعرف يفتح بيت مفيش مشاكل”، لأن هناك الكثير من الأهالي لا يمانعون من تزويج بناتهم لشبان لديهم إعاقة. الصعوبة أكبر للبنت، لأن الإعاقة تكسر صورتها الجمالية، والجمال من أهم مقومات الزواج لدى النساء في مصر. بالإضافة إلى ذلك، فالنساء مطالبات برعاية شئون أزواجهن وأبنائهن ومنازلهن، وهو ما يشكل صعوبة عند بعض الفتيات من ذوات الإعاقة، بالذات من اللواتي لم يتعلمن كيفية تأدية أعمال المنزل. حينما يكون لدينا قانون ينص على الحق في الزواج وتكوين أسرة فإنه يحمي أصحاب الحقوق الضعفاء ويقويهم. هناك تدخل كبير في الاختيارات الشخصية لذوي الإعاقة من جانب الأهل، سواء بدافع الخوف والحماية الزائدين عن الحد أو بسبب الجهل.

بالإضافة إلى ذلك، هناك استخدام للعديد من الألفاظ المسيئة لنا كأشخاص ذوي إعاقة، مثل استخدام الإعاقات المختلفة في السباب، كالعمى وغيره. الإعاقة ليست سُبة، هي تنوع بشري يجب احترامه، والدول ترتقي بمدى اهتمامها بالأشخاص ذوي الإعاقة واحترامها لهم. حينما نرى مشهدًا في عمل فني لـ “أهبل القرية”، وهو شخص ذو إعاقة ذهنية يضربه الأطفال بالطوب، ما فائدة هذا المشهد؟، حتى إن كان هذا واقعًا فنحن نريد أن ينتهي ويُنسى، لا أن يتم تدعيم هذه الصورة الذهنية في الأعمال الفنية. لا توجد صورة مسيئة بها إبداع أبدًا.

في شهر رمضان، حينما نرى إعلانات لجمع التبرعات للأشخاص ذوي الإعاقة، من خلال تصوير فتاة لا تستطيع السير وهي تنظر بحسرة على أرجل الأطفال الذي يلعبون، هل يتخيل أحد ما يحدث لذوي الإعاقة الحركية حينما يشاهدون هذه الإعلانات، وكيف يؤثر ذلك على نفسيتهم؟، هل يعلم أحد كيف تتم الإساءة إلى هؤلاء وإلى مشاعرهم؟. رمضان أصبح موسمًا لـ “حرق الدم” للأشخاص ذوي الإعاقة كل عام، وهذا لا بد أن يتوقف.

* كان لك موقف معارض لمادة الـ”5%” في قانون الخدمة المدنية، لماذا؟

لأن مشروع الخدمة المدنية المقدم من الحكومة اشترط في المادة 13 قرارًا من رئيس الوزراء لتوظيف نسبة الـ 5 % في المنشآت الحكومية والخاصة التي لا يزيد عدد العاملين بها على سبعين موظفًا، وخص بها المحاربين القدامى ومصابي العمليات الأمنية والحربية، ومصابي الثورة وأسرهم والمعاقين متى احتاجت الوحدة لذلك، وبالتالي القانون يعطيني الحق ويحرمني منه في الوقت نفسه، والكارثة الأكبر أن النسبة أصبح لدي شركاء فيها. إذا كنا لا نطالب بزيادة نسبة الـ 5% لأنها كافية للأشخاص ذوي الإعاقة، فإننا لا نقبل إضافة شرائح جديدة من المستفيدين منها. قيل لنا إننا وضعنا نسبة “لا تقل عن خمسة بالمائة” وبالتالي من الممكن أن تكون أكثر، إلا أننا رفضنا: “الخمسة في المية بتاعتي ما حدش يقربلها”.

بخلاف ذلك، وضعنا مشروع القانون تحت رحمة رئيس الوزراء، فإن كان واعيًا سيعطينا هذا الحق، وإن كان غير ذلك فسنواجه مشاكل، وحتى إذا أنعم علينا رئيس الوزراء، قد تقرر المنشأة أنها في غير حاجة. وحينما سُئلت إن كانت باقي الفئات التي نصت عليها المادة من ذوي الإعاقة أم لا، أجبت أنهم فعلًا من ذوي الإعاقة، ولكن تمت تسميتهم بأسماء بعيدة عن الإعاقة، وهو ما يعني أنه في اللائحة التنفيذية ربما يتم إعطاء استثناءات. لو جاء أحد مصابي الحرب مطالبًا بحقه في نسبة الـ 5%، فستتم معاملته على أنه من ذوي الإعاقة وفي هذه الحالة سيكون مساوياً لهم وليس مميزًا عنهم، لكننا لم نرفض هذه الفئات مثلما تم انتقادنا.

نجحنا في مراجعة المادة مرة أخرى، وطالبنا أن تكون المادة “تخصص نسبة لا تقل عن خمسة بالمائة للأشخاص ذوي الإعاقة على أن تلتزم الوحدة بذلك”، وبالتالي عالجنا مشاكل المادة الأصلية، وهذا يعود أيضًا لاهتمام وزير التخطيط ورئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، وكتبوا المادة بصيغة أفضل مما اقترحناها، إلا أنهم أزالوا فقرة “لا تقل عن خمسة بالمائة” إلى خمسة بالمائة فقط، ووافقنا أن نتنازل عنها في سبيل الحفاظ على النسبة.

اعلان
 
 
مي شمس الدين